فقال الله مكذِّبَهم ومخبرَهم بسخَطه عليهم:"غلت أيديهم"، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات="ولعنوا بما قالوا"، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك (1)
="بل يداه مبسوطتان"، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيُر مغلولتين ولا مقبوضتين (2) ="ينفق كيف يشاء"، يقول: يعطي هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه. (3)
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12242 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا"، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيًرا.
12243 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"يد الله مغلولة"، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله = يا بني إسرائيل، (4) حتى
(1) انظر تفسير"اللعنة"فيما سلف 10: 437، تعليق: 3، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير"البسط"فيما سلف 5: 288، 290، 313.
(3) انظر تفسير"الإنفاق"فيما سلف 7: 134، تعليق: 3، والمراجع هناك، ثم سائر فهارس اللغة.
(4) في المطبوعة، حذف ما وضعته بين الخطين، وكان في المخطوطة:"لقد تجهدنا الله، أي تجهدنا الله يا بني إسرائيل"، ورجحت أن صوابها كما أثبتها. ولم يذكر في كتب اللغة"تجهد" (مشددة الهاء) بمعنى: ألح عليه في السؤال حتى أفنى ما عنده، وكأنه من أجل ذلك فسره بقوله (كما قرأته) :"أي جهدنا الله"من قولهم"جهد الرجل" (ثلاثيا) : إذا ألح عليه في السؤال. هذا ما رأيته، وفوق كل ذي علم عليم. وانظر الأثر التالي.