ومعنى"مِنْ"في هذا الموضع التعقيب، كما يقال في الكلام:"أعطيتك من دينارك ثوبًا"، بمعنى: مكانَ الدينار ثوبًا، لا أن الثوب من الدينار بعضٌ، كذلك الذين خوطبوا بقوله: (كما أنشأكم) ، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم.
و"الذرية""الفُعْليّة"، من قول القائل:"ذرأ الله الخلق"، بمعنى خلقهم،"فهو يذرؤهم"، ثم ترك الهمزة فقيل:"ذرا الله"، ثم أخرج"الفُعْليّة"بغير همز، على مثال"العُبِّيَّة". (1)
وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ:"مِنْ ذُرِّيئَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ"على مثال"فُعِّيلة". (2)
وعن آخر أنه كان يقرأ:"وَمِنْ ذِرِّيَّةِ"، على مثال"عِلِّيَّة".
قال أبو جعفر: والقراءة التي عليها القرأة في الأمصار: (ذُرِّيَّةِ) ، بضم الذال، وتشديد الياء، على مثال"عُبِّية". (3)
(1) في المطبوعة: (( العلية ) )، وهو خطأ، لأن هذه بكسر العين. وفي المخطوطة: (( العلمه ) )، غير منقوطة، واجتهدت قراءتها كذلك. وفي الحديث: (( إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها ) )، و (( العبية ) )فخر الجاهلية وكبرها ونخوتها. يقال إنها من (( التعبية ) )، وقالوا بعضهم: هي (( فعولة ) )، وجائز أن تكون (( فعلية ) )، كما قال هذا القائل في (( ذرية ) )، وانظر مادة (عبب) في لسان العرب.
(2) كان في المخطوطة: (( من ذرية ) )، كما هي التلاوة السالفة، ولكن ظاهر أن الذي في المطبوعة هو الصواب. لأن (( ذرية ) )أصلها (( ذريئة ) )، من (( ذرأ الله الخلق ) )، فكان ينبغي أن تكون مهموزة، فكثرت، فأسقط الهمز، وتركت العرب همزها. وانظر لسان العرب (ذرأ) .
(3) انظر التعليق السالف رقم: 1، وكان في المطبوعة هنا أيضًا (( علية ) )، ومثلها في المخطوطة، والصواب الراجح ما أثبته.