قيل: إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له.
غير أن في تأويل قوله: (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) ، بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافًا، أبدأ بذكر ما قالوا، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب.
فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد = و"لا"ها هنا زائدة، كما قال الشاعر: (1)
أبَى جُودُهُ لا البُخْلَ، وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ، مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلهْ (2)
وقال: فسرته العرب:"أبى جوده البخل"، وجعلوا"لا"زائدةً حشوًا ها هنا، وصلوا بها الكلام. قال: وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر"البخل"، ويجعل"لا"مضافة إليه، أراد: أبى جوده"لا"التي هي للبخل، ويجعل"لا"مضافة، لأن"لا"قد تكون للجود والبخل، لأنه لو قال له:"امنع الحق ولا تعط المسكين"فقال:"لا"كان هذا جودًا منه.
وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله، غير أنه زعم أن العلة في دخول"لا"في قوله: (أن لا تسجد) ، أن في أول الكلام جحدا = يعني بذلك قوله: (لم يكن من الساجدين) ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد، الجحدَ، كالاستيثاق والتوكيد له. قال: وذلك كقولهم: (3)
(1) لا يعرف قائله.
(2) اللسان (نعم) ، أمالي ابن الشجري 2: 228، 231، شرح شواهد المغنى 217، وكان في المخطوطة والمطبوعة: (( لا يمنع الجوع ) )، كما أثبته، وكذلك ورد عن الفارسي في اللسان. وأما في المراجع الأخرى فروايته: (( لا يمنع الجود ) ).
(3) لم يعرف قائله.