وقوله: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) ، يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رحمنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم.
= ف"من"في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.
وقد اختلف أهل العربية في موضع"من"في هذا الموضع.
فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم. قال: كأن نصبه بمنزلة قوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [سورة النساء: 157] ، قال: ومن استجاز: (اتِّباعُ الظَّنِّ) ، والرفع في قوله: (1)
وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ (2)
لم يجز له الرفع في"من"، لأن الذي قال:"إلا اليعافير"، جعل أنيس البرِّ، اليعافير وما أشبهها. وكذلك قوله: (إلا اتباع الظن) ، يقول علمهم ظنٌّ. قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول:"المعصوم"هو"عاصم"في حال، ولكن لو جعلت"العاصم"في تأويل"معصوم"، [كأنك قلت] :"لا معصوم اليوم من أمر الله"، (3) لجاز رفع"من". قال: ولا ينكر أن يخرج"المفعول"على"فاعل"، ألا ترى قوله: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) ، [سورة الطارق: 6] ، معناه، والله
(1) هو جران العود.
(2) سلف البيت وتخريجه فيما مضى 9: 203.
(3) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء، وهو نص كلامه.