وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ) .
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: (يَوْمَ يَأْتِ) ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول:"مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: (1)
كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا (2)
وقيل: (لا تكلم) ، وإنما هي"لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.
وقوله: (فمنهم شقيّ وسعيد) ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على"النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: (فمنهم شقي وسعيد) .
يقول: تعالى ذكره: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير) = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = (وشهيق) ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:
حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ (3)
(1) لم أعرف قائله.
(2) معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال:"ما يليق بكفه درهم" (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و"ما يلقيه القراء وهو"، أي: ما يحبسه.
(3) ديوانه: 106، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير 29، 4 (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ
و"حشرج"ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و"السحيل"، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.