الموازنة عند إنزال الأحكام الشرعية على أرض الواقع بين المصالح بعضها بعضًا لترجيح أعلاها أو بين المفاسد بعضها بعضًا للخروج بأدناها أو بين المصالح والمفاسد_ وكما سبق تقريره_: لا شك أنها ممّا جاء به الشرع, وحث عليه, وندب إليه, ولا شك_ أيضًا_ أن هذا الفقه: هو من الفقه الواجب حال تعاطي الأحكام الشرعية, والتعامل معها إلا أن أهل الطائفة المنصورة عندما يتقيّدون بقاعدة الموازنة تلك, فإنهم يجعلون الشرع_ والشرع فقط_ هو المرجع في تقدير"المصالح", و"المفاسد", فالمصلحة عندهم: هي ما ثبت كونه مصلحة في شرع الله, ودينه, والمفسدة: هي ما ثبت كونه مفسدة في شرع الله, ودينه لا غير.
ومن ثم, فلا يَتَّخذ أهل الطائفة المنصورة من هذا الشعار_ فقه الموازنات_ تكأةً لهم للإحداث, والابتداع, والقول على الله بغير علم, والركون إلى الذين ظلموا, وتحليل الحرام, وتحريم الحلال, والتلاعب بالأحكام الشرعية فعلَ الكثيرين ممن قد جعلوا المرجع في تقدير المصالح, والمفاسد إلى عقولهم, وأهوائهم, وما يُبيتون: فأضلوا كثيرًا, وضلوا عن سواء السبيل حيث استحسنوا ما استقبحه الشرع, واستقبحوا ما استحسنه الشرع ثم جعلوا القول بالموازنات حصنًا يلوذون به, وملجئًا يلجئون إليه, ووسيلة لنيل الأغراض, وسيفًا يشهرونه في وجه المخالف, ودرعًا يدرؤن به عن أنفسهم: القيل, والقال, والله من وراء القصد.
ــ وقد سبق معنا: قوله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] .