ـ فكان ترك الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر: هو عين السقوط في الفتنة {ألا في الفتنة سقطوا} , وقد أظهرت الآية: الفقه الأعوج لأصحاب هذه التبريرات بتركهم الفتنة القائمة الحية بين الناس_ وهي فتنة المنكر_ خوفًا من فتنة محتملة قد تتخلف, ولا تقع خاصة مع صدق النيات, وخلوصها.
(وقد يكون خوف الفتنة من سوء التقدير أو الجبن، فإن الجبان يخاف من كل شيء حتى من ظله، ولذلك لا ينكر شيئًا، وقد قال الشاعر:
يرى الجبناء أن العجز عقل … وتلك سجية الطبع اللئيم) (1) .
وهذا هو ما ترشد إليه الآيات السابقة إذ قد نزلت في قوم من المنافقين جبنوا عن لقاء العدو إيثارًا للدنيا على الآخرة فتعللوا لترك ما أمر الله به بخوف الفتنة تمويهًا, وخداعًا, والله يعلم ما تكن صدورهم, وما يعلنون, ولكل قوم: وارث.
المبحث الثالث
مسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــ المسألة الأولى:
مشروعية الإنكار باليد لآحاد المسلمين.
قال ابن دقيق العيد- رحمه الله-: [قالوا_ أي: العلماء_: ولا يَخْتَصُّ الأمْرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ بأصْحَابِ الوِلايةِ بل ذلك ثَابِتٌ لآحادِ المسلمين] (2) .
قلت: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابت لآحاد المسلمين بمراتبه الثلاث بحسب القدرة والاستطاعة لا يختص ذلك بمرتبة دون غيرها.
* وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا, فليغيره: بيده، فإن لم يستطع: فبلسانِه، فإن لم يستطع: فبقلبِه, وذلك أضعفُ الإيمان" (3) .
فقوله صلى الله عليه وسلم:"منكم": واضح ظاهر في أن هذا الحق للمسلمين كافة: من رأى منهم المنكر, وكان قادرًا على تغييره خاصة والقائل ذلك هو الحاكم نفسه صلى الله عليه وسلم: فتعين أن المخاطَب غير المخاطِب.
(1) "حتى لا تغرق السفينة/".
(2) "شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد/137".
(3) "مسلم 1/ 69".