ـ وهذا مبني على أن التكليف إنما هو بحسب الطاقة كما هي قاعدة الشريعة, وما لا يُدرك كله: يُدرك منه المستطاع, وهذا المستطاع: هو الواجب حينئذ.
وقد قرر الإمام ابن القيم_ رحمه الله_ عين ما قرره الجويني, فقال:
[إذا تفقه الرجل وقرأ كتابًا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة, وآثار السلف, والاستنباط والترجيح، فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟.
فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مطلعًا على مأخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعًا.
والصواب فيه: التفصيل، وهو أنه إذا كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل: لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينسب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه: فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكًا في حيرته, مترددًا في عَماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.
ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيًا عاريًا من شروط القضاء: لم يُعطل البلد عن قاض وولي الأمثل] (1) .
وقد سبق معنا قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن:[كل من قام بإزاء العدو وعاداه, واجتهد في دفعه: فقد جاهد ولا بد.
وكل طائفة تصادم عدو الله: فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة: من أقام الدين: الأمثل، فالأمثل] (2) .
الباب الرابع
الصفة الرابعة
الاعتصام بالكتاب والسنة
ــ تمهيد:
الطائفة المنصورة وهذه الصفة:
هذه الصفة: هي أهم وأعظم صفات الطائفة المنصورة بل هي أساس كل ما تحَلّت به من صفات أخر: علمًا, وعملاَ.
(1) "إعلام الموقعين 4/ 196: 197", وانظر:"مواهب الجليل 6/ 89".
(2) "الدرر السنية 7/ 98".