فهرس الكتاب

الصفحة 1031 من 2063

فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها_ كما بينته فيما تقدم_: العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلًا لمعصية أكبر منها: فيترك الأمر بها دفعًا لوقوع تلك المعصية مثل أن ترفع مذنبًا إلى ذي سلطان ظالم, فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررًا من ذنبه، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركًا لمعروف هو أعظم منفعة من تلك المنكرات: فيسكت عن النهي خوفًا من أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله ممّا هو عنده أعظم من مجرد ترك المنكر.

فالعالِم تارة يأمر، وتارة ينهي، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح، وعند التعارض: يرجح الراجح_ كما تقدم_ بحسب الإمكان، فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيّد بالممكن: إما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه: فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره, ونهيه كما قيل: إن من المسائل: مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء, والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر, فالعالٍم في البيان والبلاغ: كذلك قد يُؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله سبحانه إنزال آيات, وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلي الله علية وسلم تسليمًا إلي بيانها] (1) .

ــ ومن أعظم ما يتحصل من هذا الفقه_ فقه الموازنات_ ممّا هو عمدة أهل الطائفة المنصورة وممّا يغفل عنه الكثيرون بل ويعكسون فيه الموازنة: أنه (لا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان) (2) .

ــ تنبيه هام جدًا:

(1) "الفتاوى 20/ 48: 61".

(2) "شرح العقيدة الطحاوية/423".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت