مع القول بوجوب الجهاد, ومشروعيته مع: العالم والجاهل, البر والفاجر, العدل والمجروح, السني والبدعي: فإن هذا يترافق مع الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر بضوابطه, ومع التواصي بالحق, والصبر على الأذى فيه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حال الغزو والجهاد يأمر أصحابه بالمعروف, وينهاهم عن المنكر, ويوجههم, ويرشدهم إذا جانب أحدهم الصواب, ومن ذلك:
* ما مرّ معنا في قصة ذات أنواط, وإنكاره الشديد صلى الله عليه وسلم عليهم, وقوله لهم:"قلتم_ والذي نفسي بيده_ كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إله كما لهم آلهة"الحديث.
* وعن علي_ رضي الله عنه_, قال:"بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية, فاستعمل عليها رجلًا من الأنصار, وأمرهم أن يطيعوه, فغضب, فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني, قالوا: بلى, قال: فاجمعوا لي حطبًا, فجمعوا, فقال: أوقدوا نارًا, فأوقدوها, فقال: ادخلوها."
فهموا, وجعل بعضهم يمسك بعضًا, ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار, فما زالوا حتى خمدت النار, فسكن غضبه.
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة, الطاعة في المعروف" (1) ."
فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم, وعَلّمهم أن الطاعة في المعروف لا في المعصية.
* وعن ابن عمر_ رضي الله عنه_, قال:"بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة, فدعاهم إلى الإسلام, فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا, فجعلوا يقولون: صبأنا, صبأنا, فجعل خالد يقتل منهم, ويأسر, ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم: أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره."
(1) "البخاري 4/ 1577".