كما أن المشقة تكون دنيوية: كذلك تكون أخروية, فإن الأعمال إذا كان الدخول فيها يؤدي إلى تعطيل واجب أو فعل محرم: فهو أشد مشقة باعتبار الشرع من المشقة الدنيوية التى هي مخلة بالدين, واعتبار الدين: مقدم على اعتبار النفس, وغيرها في نظر الشرع] (1) .
ــ المحور الثاني: القتال وفقه الموازنات عند الطائفة المنصورة (2) .
أهل الطائفة المنصورة في قيامهم بأمر الله: دعوةً إلى الله, وأمرًا بالمعروف, ونهيًا عن المنكر, وجهادًا في سبيل الله: يَعملون على تحصيل المصالح وتكميلها, ودفع المفاسد وتقليلها قدر الطاقة والإمكان.
وعند التعارض: يعملون_ قدر الطاقة والإمكان_ على تحصيل أعظم المصالح, ودفع أعظم المفاسد بالظن الغالب, ولا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة؛ فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر: لم يكن مأمورًا به بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ... ] (3) .
وقال_ كذلك_ رحمه الله_: [الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها: ترجيح خير الخيرين, وشر المفسدتين باحتمال أدناها، قال تعالى: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} : فتبين أن السيئة تحتمل في معرضين: دفع ما هو أسوا منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها.
والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، هذا يتعلق بالموازانات الدينية.
(1) "الموافقات 2/ 153: 154".
(2) سبق البحث بشيء من التفصيل في فقه الموازنات, وضوابطه عند الطائفة المنصورة, فليراجع لزامًا.
(3) "الفتاوى 28/ 129".