قال أبو الفرج ابن الجوزي_ رحمه الله_: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة مَنْ يدل الركب وليس له علم الطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبُّ الناس بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع مَنْ لم يُحسن التطبُّب من مُدَاواة المرضي: فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟.
وكان شيخنا (1) _ رضي الله عنه_ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلْتَ محتسبًا على الفتوى؟.
فقلتُ له: يكون على الخبَّازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!] (2) .
الفصل الخامس
مصلحة الدعوة عند الطائفة المنصورة
يَحرص أهلُ الطائفة المنصورة غاية الحرص على تحقيق"مصلحة الدعوة"إذ هم لم ينطلقوا_ أساسًا_ دعاةً إلى الله إلا بغية تحقيق هذه المصلحة.
والمراد بـ"مصلحة الدعوة": مصلحة الدعوة نفسها لا مصلحة القائمين عليها إذ ليس للقائمين عليها من مصلحة إلا تحقيق الدعوة لهدفها, ومبتغاها بإخراج الناس من الظلمات إلى النور التزامًا بالصراط المستقيم الذي أُنزِل إليهم.
وعلى ذلك: فـ"مصلحة الدعوة"عند أهل الطائفة المنصورة هي في الحفاظ على هذه الدعوة بيضاء, نقية من أن يشوبها دخل أو دغل, فيؤدّونها كما أنزلت: لم يُثلم عرضها, ولم يشوه وجهها: قولًا على الله بغير علم أو إحداثًا وابتداعًا أو ترخّصًا بالباطل أو ركونًا للذين ظلموا فضلًا عن التلطخ, والتدنس بأرجاس الشرك وأوحاله.
(1) يعني: شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله وطيب ثراه_.
(2) "إعلام الموقعين 4/ 217".