ــ وحقيقة الأمر: هي أن كتمان العلم سيما عند النوازل التي تنزل بالأمة: قرينُ تبديل الدين, ومسخه, ومحوه بالكلية, ولذا كان (ترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد) (1) , كلاهما: مؤذنٌ بضياع الدين, والقضاء عليه, فهما في الضرر سواء.
(فالمرصدون للعلم: عليهم للأمة حفظ علم الدين, وتبليغه, فإذا لم يبلغوهم علم الدين أو ضيعوا حفظه: كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين, ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} , فإن ضرر كتمانهم تعدّى إلى البهائم, وغيرها: فلعنهم اللاعنون حتى البهائم) (2) .
ولذلك كان هذا الوعيد الشديد غير المسبوق على شيء من الذنوب, والمعاصي في حق كاتمي العلم: {يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} ؛ و (كأنما تحولوا إلى ملعنة يَنصب عليها اللعن من كل مصدر، ويتوجّه إليها_بعد الله_ من كل لاعن!) (3) كما أن"العلم": أمانة الله, وميراث رسله استودعه أهله, واستحفظهم عليه, وجعلهم خلفاء أنبيائه, ورسله في القيام به وعليه؛ فهو عندهم: أمانة, ووديعة مع جعل الله إياهم به شهداء على خلقه؛ وقد تقرر في الفطر, والطباع السوية (أنه ليس أشنع من خيانة المستأمن, وليس أبشع من تفريط المستحفظ, وليس أخس من تدليس المستشهد) (4) .
المطلب الثاني
الصدع بالحق
وهو فرع عمّا قبله من وجوب التبيين, وحرمة الكتمان, والصدعُ بالحق: رسمُ أهل الطائفة المنصورة في دعوتهم يتلقونه كابرًا عن كابر عن أنبياء الله ورسله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
(1) "الفتاوى لابن تيمية 28/ 188".
(2) "الفتاوى لابن تيمية 28/ 187".
(3) "في ظلال القرآن/150".
(4) "المرجع السابق/897".