وقال_ رحمه الله_ أيضًا_:[ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون رحمة الله: هم الذين قاموا بهذه الثلاثة، قال تعالى: {إن الذين آمنوا، والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم} .
وكما أن الإيمان فرض على كل أحد: ففرض عليه هجرتان في كل وقت:
هجرة إلى الله بالتوحيد، والإخلاص, والإنابة, والتوكل، والخوف، والرجاء، والمحبة, والتوبة.
وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة, والانقياد لأمره, والتصديق بخبره، وتقديم أمره وخبره على كل أمر غيره:"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله: فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها: فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وفرضٌ عليه جهاد نفسه في ذات الله, وجهاد شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد] (1) .
* وكان أبو عبد الله بن علان_ رحمه الله_ يقول:"ما من عبد حفظ جوارحه: إلا حفظ الله عليه قلبه, وما من عبد حفظ الله عليه قلبه: إلا جعله الله أمينًا في أرضه, وما من عبد جعله الله أمينًا في أرضه: إلا جعله الله إمامًا يُقتدى به, وما من عبد جعله الله إمامًا يقتدى به: إلا جعله حجة على خلقه" (2) .
الفرع الثاني
الصبر على الطاعة المتعدية
ــ والمراد بالطاعة المتعدية: تلك الطاعة التي يتعدى نفعها من حيث إقامة الدين إلى غير القائم بها: كالدعوة, والجهاد, ومنه: الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, والرد على المخالف, والصدع بالحق, ونشر العلم, وعدم كتمانه, والحكم بين الناس بما أنزل الله, والموالاة في الله, والمعاداة فيه.
وهذه"الطاعة": هي خاصة الأنبياء, والمرسلين, وورّاثهم, وهي التي ينصرف إليه الذهن_ أساسًا_ عند الحديث عن القيام بأمر الله, والثبات عليه.
(1) "حلية الأولياء10/ 359".
(2) "زاد المعاد3/ 11: 12".