وجاء في"قواعد الفقه": [قاعدة: فرض العين لا يترك بالنافلة أو بما هو من فروض الكفاية] (1) .
وهذا هو الوجه الرابع الذي يتقرر به تقديم الجهاد عند تعينه على غيره من الأعمال, وهو يتعلق بتزاحم الواجبات العينية مع عدم إمكان الجمع بينها.
وقد ذكر القرافي المالكي_ رحمه الله_ وهو يتحدث عن مسألة تعارض الواجبات وما يُقدّم منها وما يؤخر: أن هذا[مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات، وضابط ما قدَّمه الله تعالى على غيره من المطلوبات، وهى أنه إذا تعارضت الحقوق: قُدِّم منها المضيَّق على الموسَّع، لأن التضييق يُشعِر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مُضَيَّقًا، وأن ما جوَّز له تأخيره وجعله موسعًا عليه: دون ذلك.
ويقدم الفَوْري على المتراخي, لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره.
ويقدم فرض الأعيان على الكفاية لأن طلب الفعل من جميع المكلفين: يقتضي أرجحية على ما طلب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره: أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره.
ولذلك يُقدّم ما يُخشى فواته على ما لا يُخشى فواته وإن كان أعلى رتبة منه] (2) .
ــ وبهذه الوجوه الأربعة المتقدمة يتقرر معنا أن الجهاد إذا تعين: فهو مقدم عند أهل الطائفة المنصورة على غيره من النوافل كما أنه مقدّم على غيره من الواجبات الكفائية أيًا كانت بلا أدنى نزاع بل ومقدّم على غيره من الواجبات العينية عند عدم إمكان الجمع بينه وبينها.
ولزيادة البيان؛ نقول:
(1) "قواعد الفقه/95".
(2) "الفروق 2/ 203".