وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممّا يوجب صعوبة على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه: فيدعه، وذلك ممّا يضره أكثر ممّا يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل، فإن ترك الأمر الواجب: معصية، فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار، والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل، وقد يكون الثاني شرًا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء.
فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي, والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكونان سواء] (1) .
وهذا من الضوابط الهامة التي يتقيّد بها أهل الطائفة المنصورة في قيامهم بفريضة الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر: فلا يهتكون سترًا, ولا يتتبعون عورة, ولا يلتمسون زلة أو عثرة, وإنما هو أَخْذ الناس بما ظهر منهم لا غير.
وهذا القيد في صفة المنكر الذي يجب إنكاره بأن يكون ظاهرًا, معلومًا من غير كشف, وبحث, وتنقيب: دلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري:"من رأى منكم منكرًا ..."الحديث.
ـ وقد نصّ الفقهاء على أن موضوع الحسبة: هو (كل منكر: موجود في الحال, ظاهر للمحتسب بغير تجسس, معلوم كونه منكرًا بغير اجتهاد) (2) .
قال الغزالى_ رحمه الله_:[شرط الحسبة: أن يكون المنكر ظاهرًا للمحتسب بغير تجسس ...
فكلّ من ستر معصيته في داره، وأغلق بابه: لا يجوز أن يُتجسس عليه, وقد نهى عن ذلك] (3) .
(1) "الفتاوى 28/ 137: 138".
(2) "الإحياء 2/ 280".
(3) "الإحياء 2/ 281".