وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس, ومن ذاق طعمه ولذته: بكى على أيامه الأول, وبالله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله] (1) .
فكان الابتلاء في سبيل دينه تعالى: تميّزًا, وفخارًا ما بعده فخار, وما أفقه القائل هنا:
شكرًا لفضلك إذ حملت كاهلنا ممّا وثقت بنا ما كان من نوب
وهو من المشاهد التي يشهدها أهل الطائفة المنصورة في الابتلاء, حيث يشهدون عِظمَ مطلوبهم, وأنه الفوز الأكبر, والفلاح الذي ما فوقه فلاح: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] .
وقد تواطآت الفطر, والطباع, والعقول على أنه كلما عَظُمَ مطلوبُ العبد: كلما هان عليه ما يُقدّمه في سبيل تحصيله, ونيله, فكيف بمطلوب هو السعادة الأبدية التي لا تنغيص فيها بأي وجه من الوجوه؟!!!.
* عن أنس_ رضي الله عنه_, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة, فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم, هل رأيت خيرًا قط, هل مرّ بك نعيم قط؟."
فيقول: لا والله يا رب.
ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة, فيصبغ صبغة في الجنة, فيقال له: يا ابن آدم, هل رأيت بؤسًا قط, هل مرّ بك شدة قط؟.
فيقول: لا والله يا رب, ما مرّ بي بؤس قط, ولا رأيت شدة قط" (2) ."
وهذه صبغة واحدة, فكيف بـ: {خالدين فيها أبدًا} ؟!!!.
فأهل الطائفة المنصورة_ وقد لمحوا هذا المشهد_ يَسترخصون كلَّ شيء من نفس, ومال, وأهل, وولد فوزًا بـ"الجنة".
بل ويعدون كلَّ ما يقدمون من نفس ونفيس, وغال ورخيص دون سلعة الله الغالية, فليس هناك من عوض يُقدّم على الحقيقة ولكنها رحمة الله, وفضله, ومن خطب الحسناء: لم يغلها المهر!.
(1) "مدارج السالكين1/ 226: 227".
(2) "مسلم4/ 2162".