وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها, فإنه كلمّا جد في الاستقامة, والدعوة إلى الله، والقيام له بأمره: جدّ العدو في إغراء السفهاء به, فهو في هذه العقبة: قد لبس لأمة الحرب, وأخذ في محاربة العدو لله, وبالله, فعبوديته فيها: عبودية خواص العارفين, وهى تسمى: عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة, ولا شئ أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه، وإغاظته له, وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه.
أحدها: قوله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغمًا كثيرًا وسعة} , سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله: مراغمًا يراغم به عدو الله, وعدوه, والله يحب من وليه: مراغمة عدوه، وإغاظته كما قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نَصَب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يَطَئُون مَوْطِئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نَيْلا إلا كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} , وقال تعالى في مَثل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأتباعه: {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شَطْأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} , فمغايظة الكفار: غاية محبوبة للرب, مطلوبة له، فموافقته فيها: من كمال العبودية.
وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين، وقال:"إن كانت صلاته تامة: كانتا ترغمان أنف الشيطان", وفي رواية:"ترغيمًا للشيطان", وسمّاهما:"المرغمتين".
فمن تعبّد الله بمراغمة عدوه: فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر, وعلى قدر محبة العبد لربه، وموالاته, ومعاداته لعدوه: يكون نصيبه من هذه المراغمة, ولأجل هذه المراغمة: حُمد التبختر بين الصفين، والخيلاء, والتبختر عند صدقة السر حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو, وبذل محبوبه من نفسه, وماله لله عز وجل.