فإذا انضاف إلى ذلك ما سبق ذكره عن أركان الجاهلية, وعناصرها المتعددة, وحربها الضروس بشتى الطرق, والوسائل لكل من أراد القيام بأمر الله, والثبات عليه: عُلم خطورة هذه الفتنة في حق الكثيرين شعروا أو لم يشعروا.
* وكأنّ حذيفة صاحبَ السر, وخبير الفتن_ رضي الله عنه_ كان يشير إلى فتنة ضغط الواقع تلك حين قال:"أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون" (1) .
والثانية: نتيجة حتمية للأولى.
أمّا أهل الطائفة المنصورة: فهم يَدفعون ضغط الواقع, ولا ينضغطون له أو به_ وحاشاهم_, كيف؟! , وعملهم هو في الأساس, والمقام الأول: إخضاع الواقع لأمر الله, وأطره عليه أطرًا.
وهم يقومون بذلك: بفضل الله أولاّ ثم بيقينهم, وصبرهم ثانيًا إذ فتنة ضغط الواقع: هي فتنة"الغربة"بجوانبها المتعددة, ومظاهرها المختلفة والتي يعيشها أهل الطائفة المنصورة في سعيهم نحو إقامة أمر الله.
فأهل الطائفة المنصورة: يصبرون على غربة الطريق, ولا يوحشهم تفرد السير, ولهم في ذلك الأسوة التامة بخير خلق الله, وصفوتهم من الأنبياء, والرسل عليهم السلام.
* جاء من حديث ابن عباس_ رضي الله عنهما_, قال:"خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا, فقال: عُرضت عليّ الأمم: فجعل يمر النبي معه الرجل, والنبي معه الرجلان, والنبي معه الرهط, والنبي ليس معه أحد" (2) .
فقلة السائرين, وغربة الطريق, وتفرد السير من نهج الأنبياء, والمرسلين في القيام بأمر الله.
* وقد جاء عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء" (3) .
(1) "الاعتصام1/ 59","الزهد لهناد2/ 465","حلية الأولياء1/ 278","مصنف ابن أبي شيبة7/ 503".
(2) "البخاري5/ 2170","مسلم1/ 199".
(3) "مسلم1/ 130, 131".