فعندما قالت: أفتوني في أمري: فقالوا {نحن أولو قوة} : في القتال، {وأولو بأس شديد} : قوة في الحرب واللقاء، {والأمر إليك} : ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة: فانظري ماذا تأمرين: فـ {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} : أهانوا شرفاءهم لتستقيم لهم الأمور: فصدق الله قولها: {وكذلك يفعلون} .
قال ابن الدفع: {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} : هذا وقف تام: فقال الله عز وجل تحقيقًا لقولها: {وكذلك يفعلون} ... ] (1) .
وعلى القول الثاني، أي: أن {وكذلك يفعلون} : من قول الله تعالى تحقيقًا لقول بلقيس: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} : فمناسبة الآية لما نحن فيه ظاهرة لا تخفى، والله أعلى وأعلم.
وهذا القول الثاني: هو اختيار ابن جرير_ رحمه الله_ حتى أنه لم يذكر غيره:
قال_ رحمه الله_:[القول في تأويل قوله تعالى: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} : يقول تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها إذا عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان إن أمرتهم بذلك: إن الملوك إذا دخلوا قرية عنوة, وغلبة: {أفسدوها} , يقول: خربوها، {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} : وذلك باستعبادهم الأحرار، واسترقاقهم إياهم.
وتناهى الخبر منها عن الملوك في هذا الموضع: فقال الله: {وكذلك يفعلون} , يقول تعالى ذكره: وكما قالت صاحبة سبأ: تفعل الملوك إذا دخلوا قرية عنوة] (2) .
وبنحو ما فعل ابن جرير: فعل ابن كثير_ رحمه الله_, فذكر هذا القول ولم يذكر غيره (3) .
الفصل السادس
المَعْلَمُ السادس
الحق قديم
(1) "تفسير القرطبي 13/ 195".
(2) "تفسير الطبري 19/ 154".
(3) انظر:"تفسير ابن كثير 3/ 363".