قال الفقيه أبو الليث السمرقندي_ رحمه الله_: [وهكذا, كان العلماء في ذلك الزمان إنهم كانوا إذا تكلموا بالموعظة: وقع كلامهم موقعًا لأنهم كانوا يعملون بالعلم: فينفع علمهم غيرهم, فأما علماء زماننا: فإنهم لا يعملون بعلمهم: فلا ينفع علمُهم غيرَهم!] (1) .
* وقد أجاد, وأفاد أبو الأسود الدؤلي_ رحمه الله_ في أبياته المشهورة:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل إن وعظت ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم (2)
ـ (فحق الواعظ أن يَتّعظ بما يعظ, ويُبصر ثم يُبصّر, ويهتدي ثم يهدي, ولا يكون دفترًا: يفيد ولا يستفيد, ومسنًا: يشحذ ولا يقطع بل يكون كالشمس التي تفيد القمرَ الضوءَ ولها أفضل ممّا تفيده, وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمي أكثر, ويجب أن لا يجرح مقاله بفعله, ولا يكذب لسانه بحاله فيكون ممن وصفه الله تعالى بقوله: {ومن الناس من يعجبك قوله} الآية) (3) .
ــ وبعد, فقد كانت هذه الأسس الستة السابقة: هي أسس الدعوة عند الطائقة المنصورة, وبقي معنا هنا: أساسان من أهم الأسس التي تقوم عليها الدعوة عند أهل الطائفة المنصورة, وهما:"البلاغ المبين", و"الحكمة", ولأهميتهما, وخصوصيتهما, وللحاجة لبسط القول فيهما: أفردنا لهما المبحثين الآتيين من هذا الفصل, فنقول بحول الله وطوله, وقوته:
المبحث الثالث
الدعوة والبلاغ المبين عند الطائفة المنصورة
البلاغ المبين من أهم أسس الدعوة عند أهل الطائفة المنصورة, وهو من المسلمات عند ورثة الأنبياء والمرسلين الذين خلفوهم في الناس: فقاموا برسالاتهم, وحفظوهم في ميراثهم ووراثتهم, فأضحى هذا الميراث على أيديهم يَحكي واقعًا حيًا, قائمًا لا ماضيًا, غائبًا.
(1) "تنبيه الغافلين/153".
(2) "تفسير القرطبي 1/ 367".
(3) "فيض القدير 1/ 78".