فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع فكما يستحيل انطباع الطين من الطابع بما ليس منتقشًا فيه: فمحال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس في نفس الواعظ ) (1) .
* وما أفقه قول مالك بن دينار_ رحمه الله_:"إن العالم إذا لم يعمل بعلمه: زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا" (2) .
* وقد كتب الجنيد_ رحمه الله_ إلى بعض إخوانه, يقول:"اعلم_ رضي الله عنك_: أن أقرب ما استدعى به قلوب المريدين, ونبه به قلوب الغافلين, وزجرت عنه نفوس المتخلفين: ما صدقته من الأقوال جميع ما اتبع به من الأفعال, فهل يحسن_ يا أخي_ أن يدعو داع إلى أمر لا يكون عليه شعاره, ولا تظهر منه زينته وآثاره, وألا يكون قائله عاملًا فيه بالتحقيق, وبكل فعل بذلك القول يليق ."
وأفك من دعا إلى الزهد وعليه شعار الراغبين, وأمر بالترك وكان من الآخذين, وأمر بالجد في العمل وكان من المقصرين, وحث على الاجتهاد ولم يكن من المجتهدين إلا قل قبول المستمعين لقيله, ونفرت قلوبهم من فعله, وكان حجة لمن جعل التأويل سببًا إلى اتباع هواه, ومسهلًا لسبيل من آثر آخرته على دنياه .
أما سمعت الله تعالى يقول وقد وصف نبيه شعيبًا وهو شيخ الأنبياء, وعظيم من عظماء الرسل والأولياء, وهو يقول: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } , وقول الله جل ذكره صلى الله عليه وسلم: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله } , وأمر الله له بالدعاء إليه بقوله عز من قائل: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } .
فهذه سيرة الأنبياء, والرسل, والأولياء, والذي يجب_ يا أخي_ على من فضّله الله بالعلم به, والمعرفة له: أن يعمل في استتمام واجبات الأحوال, وأن يصدق القول منه الفعل: يحظى بذلك أولًا عند الله, ويحظى به من اتبعه آخرا" (3) ."
(1) "فيض القدير1/78".
(2) "حلية الأولياء10/71".
(3) "حلية الأولياء10/260: 261".