غير أنه قدر أهل الطائفة المنصورة في هذا الزمن, فلا بديل غير المضي قدمًا, وقد (قال بعض العارفين: انفرادك في طريق طلبك: دليل على صدق الطلب) (1) .
ورحم الله القائل:
مُت بداء الهوى وإلا فخاطر واطرق الحي والعيون نواظر
لا تخف وحشة الطريق إذا سرت وكن في خفارة الحق سائر (2)
ـ ومن ثم, فإنّ مَنْ رغب أن يكون من أهل الطائفة المنصورة وسط هذه الغربة الحالكة (بحيث يكون رأسًا في ذلك مقتدى به فيه: يحتاج أن يكون شجاعًا, مقدامًا، حاكمًا على وهمه، غيرَ مقهورٍ تحت سلطانِ تخيله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لِما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه، والطرقِ القواطعِ عنه، مقدامَ الهمة، ثابتَ الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه: لومُ لائم, ولا عذل عاذل، كثيرَ السكون، دائمَ الفكر، غير مائل مع لذة المدح, ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضاتُ، شعاره: الصبرُ, وراحته: التعبُ) (3) .
وما ألطف قول ابن القيم_ رحمه الله_ في نونيته:
لا تُوحِشنّك غربةٌ بين الورى فالناس كالأموات في الحسبان
أو ما علمت بأن أهل السنة الغرباء حقًا عند كل زمان
قل لي متى سَلِمَ الرسول وصحبُه والتابعون لهم على الإحسان
من جاهلٍ ومعاندٍ ومنافقٍ ومحارب بالبغي والطغيان
وتظن أنك وارثٌ لهم وما ذُقْتَ الأذى في نصرة الرحمن (4)
ومما يَدفع به أهلُ الطائفة المنصورة فتنةَ ضغط الواقع أو فتنة الغربة: استعلاءُ الإيمان حيث تمتلىء صدورُهم, ونفوسُهم بالعزة التي جعلها الله لأهل دينه دون غيرهم.
(1) "مفتاح دار السعادة لابن القيم1/ 147".
(2) "المرجع السابق".
(3) "الفوائد لابن القيم/191".
(4) "شرح النونية2/ 256".