المبحث الأول
القاعدة الأولى
التسليم المطلق للنصوص والإذعان لها
وهذا التسليم: هو عمدة أهل الطائفة المنصورة, وأعظم ما يميزهم في تعاملهم مع نصوص الوحيين, فلا ينطلق أهل الطائفة المنصورة في تعاملهم مع الكتاب والسنة من مقررات سابقة من نتاج عقول البشر, وآرائهم, وأوهامهم يُحاكم لها الوحي ويَخضع كما لا ينطلقون من إرادات قد فُرغَ منها: فتُطوّع لها النصوص, وتلوى لها أعناقها بل وتكسر لتنطق_ ظلمًا وزورًا_ بتلك الإرادات المبيّتة, وهو: عين اتباع الهوى.
فلئن كان منهج الطائفة المنصورة: التسليم المطلق للنصوص, والإذعان, والانقياد لها, فإن المبتدعة_ قديمًا, وحديثًا_ على اختلاف بدعهم (سلكوا طريقًا آخر ابتدعوها, اعتمدوا عليها, ولا يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد) (1) .
قال الشاطبي_ رحمه الله_:[ولذلك سمي أهل البدع: أهل الأهواء, لأنهم اتبعوا أهواءهم, فلم يأخذوا الأدلة الشرعية: مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها حتى يصدروا عنها بل قدموا أهوآءهم، واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك.
وأكثر هؤلاء: هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة, وغيرهم، ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى (2) السلاطين لنيل ما عندهم أو طلبًا للرياسة: فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأوّل عليهم فيما أرادوا] (3) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن, والإيمان, فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف, صار أهل التفرق والاختلاف: شيعًا؛ صار هؤلاء عمدتهم في الباطن: ليست على القرآن, والإيمان ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم, عليها يعتمدون في التوحيد, والصفات, والقدر, والإيمان بالرسول, وغير ذلك, ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن: احتجوا به, وما خالفها: تأولوه.
(1) "منهاج السنة النبوية 7/ 37".
(2) الأشبه بالسياق: يغشى!.
(3) "الاعتصام 2/ 398: 399".