[فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم: فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم لأنه خرج عن معتادهم، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم: ليوقعوا بينهم وبينه المؤالفة, والموافقة ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه، ويقنعوا منه بذلك: ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم: فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق, والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} إلى آخر السورة: فنصبوا له عند ذلك حرب العدواة، ورموه بسهام القطيعة، وصار أهل السلم كلهم حربًا عليه، وعاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم] (1) .
وهذا مقرر_ إجمالًا_ من وجهين:
ــ الوجه الأول:
أن الله لم ينزل هذا الشرع إلا للعمل به, وابتلاء العباد بالتكاليف, والمكلف: عبد مربوب, فكانت مصلحة الاستجابة للتكاليف, والتمسك بالشرع: هي أس, ورأس المصالح التي يريدها الله سبحانه وتعالى من المكلفين, وهي_ كذلك_ أس, ورأس المصالح التي يحققها العبد.
والنصوص في بيان هذا الأصل: كثيرة جدًا إذ هو أصل"الإسلام", ومعناه, وحقيقة العبودية التي قدمنا كونها الغاية العظمى من خلق الخلق.
* قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [المائدة: 153] .
* وقال_ أيضًا_: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الزخرف:43] .
* وقد قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا} .
(1) "الاعتصام 1/ 16".