وقال ابن قتيبة_ رحمه الله_: [ينبغي أن يكون الخطيب: رابطَ الجأشِ, ساكنَ الجوارح, قليلَ اللَّحظ, متخير اللَّفظ، و لا يدقِّق في المعاني كلَّ التدقيق, ولا ينقِّح الألفاظَ كل التنقيح] (1) .
ــ فَهَمُّ أهلِ الطائفة المنصورة الأكبر في دعوتهم الخلق إلى الحق: هو إيصال هذا الحق إلى القلوب, والعقول لتعقل عن الله دينَه, وشرعه لا إظهار القدرات اللغوية, والمهارات الأدبية, والتصرف في فنون القول ممّا يخرج بالدعوة عن هدفها, ومقصودها الأساس.
والمتأمّل في كتبه, ورسائله صلى الله عليه وسلم التي كان يرسلها للدعوة: يجد فيها التركيز على إيصال الدعوة للغير, والإفصاح عن مقصودها دون تكلف لفظ أو تركيب, وإنما هو: وضوح المقصد، وسلاسة العبارة، وقوة المنطق، ونفاذ المعنى, ولا مزيد, وعلى هذا: جرى خيرُ من حمل هذا الدين في دعوة الناس إليه.
قال الشاطبي_ رحمه الله_: [وعلى هذا النحو مرّ السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكليفية: علم أنهم قصدوا أيسرَ الطرق, وأقربهَا إلى عقول المخاطَبين والطالبين لكن من غير ترتيبٍ متكلَّفٍ, ولا نظمٍ مؤلَّف بل كانوا يرمون بالكلامِ على عواهنهِ ولا يبالون كيف وقعَ الكلامُ في ترتيبه إذا كان سهلَ المأخذِ, قريبَ الملتمس] (2) .
ونعني بالإجمال المُلبس: الإجمال الذي يوقع المدعو في الحيرة, والتخبط فلا يدري معه ما الذي يريده الله منه! , وهو: الإجمال فيما حقه التفصيل, وهذا الإجمال غالبًا ما يكون دافعه: الجهل أو إيثار السلامة, وكلاهما ممّا لا يتحقق معه وضوح وبيان الخطاب الدعوي.
(1) "عيون الأخبار 2/ 173".
(2) "الموافقات 1/ 59".