وبعد استطراد من الإمام في وصف ما فتح الله عليه به في هذا الابتلاء بما تنقلب معه المحنة إلى منحة، يقول: [وأنا في هذا المكان_ يعني سجن الإسكندرية_ أعظم قدرًا، وأكثر عددًا ما لا يمكن حصره وأكثر ما ينقص عليّ: الجماعة، فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة, والسرور, والنعيم ما تقر به أعينهم ... ] .
ثم يقول مخاطبًا جماعته:
[والمقصود: إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير, كثير، ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله، وإن لم يكن خدمة الجماعة باللقاء، فأنا داع لهم بالليل, والنهار قيامًا ببعض الواجب من حقهم، وتقربًا إلى الله تعالى في معاملته فيهم ... ] .
ثم يختم رسالته_ رحمه الله_ بتوجيه نصحه, وإرشاده بل وأمره إلى هؤلاء الصحب البررة, فيقول:
[والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقي الله، ويعمل لله: مستعينا بالله، مجاهدًا في سبيل الله، ويقصد بذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله] (1) .
المبحث الثاني
ضوابط العمل الجماعي عند الطائفة المنصورة
العمل الجماعي عند الطائفة المنصورة وسيلة لا غاية، بمعنى: أنه إنما شُرع لإقامة الدين: بصرف العبادة لله وحده، وصرف المتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فهو: وسيلة لغاية أعظم, وأكبر.
ومتى أخلّ العمل الجماعي بإقامة الدين: إحداثًا وابتداعًا أو اتباعًا للرجال دون الحق أو صرفًا للولاء لغير الله ورسوله ودينه أو تقصيرًا وقعودًا عن القيام بالواجب وتركًا لما أمر الله به ورسوله: فقد خرج عن الغاية التي شُرع من أجلها، وعاد على أصله بالإبطال.
ومن ثم: كانت هناك جملة من الضوابط الشرعية التي تحكم العمل الجماعي عند الطائفة المنصورة, وتوجهه حفظًا عليه، وتحقيقًا للغاية التي شُرع لها, وبغير هذه الضوابط: يغدو العمل الجماعي بلاءً_ وأي بلاء_ على الدين وأهله بما يَفقد معه أصحابُه محلهم في قافلة الطائفة المنصورة.
(1) "الفتاوى 28/ 30: 46".