ــ وقد تقرر في الأصول: أن"الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام", وأن:"الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف", وأنه:"إذا تعارض مفسدتان: روعي أعظمهما ضررًا", وأنه"يُختار أهون الشرين", وغير ذلك (1) .
وقد بينا أن ضرر ترك الجهاد, والقعود عنه أعظم بما لا مزيد عليه في الدين, والدنيا ممّا قد يترتب على الجهاد من ضرر يلحق في نفس أو مال أو جاه أو غير ذلك من مظاهر الدنيا مع كون هذا الضرر_ أيضًا_ هو من الضرر الخاص مقارنة بالفواجع التي تضرب الأمة كلها في دينها, ودنياها.
* قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ الله ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَالله يُحْيِي وَيُمِيتُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] .
فبيّن تعالى أن القول بالقعود عن الجهاد لدفع فتنة الابتلاء التي قد تلحق العبد في جهاده: هو قول أهل الشك, والريب, والنفاق.
قال ابن كثير_ رحمه الله_: [ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار, والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم, فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} , أي: عن إخوانهم {إذا ضربوا في الأرض} , أي: سافروا للتجارة ونحوها, {أو كانوا غزى} , أي: كانوا في الغزو: {لو كانوا عندنا} , أي: في البلد: {ما ماتوا وما قتلوا} , أي: ما ماتوا في السفر, وما قتلوا في الغزو] (2) .
(1) انظر:"القواعد الفقهية للشيخ مصطفى الزرقا: قاعدة 20، 25 - 28".
(2) "تفسير ابن كثير 1/ 420".