وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة, ولا أذى في طريقها, والوسيلة إليها, ولا في ذاتها: فليست بموجودة بهذا الاعتبار إذ المصالح, والخيرات, واللذات, والكمالات كلها: لا تنال إلا بحظ من المشقة, ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب, وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم, وأن من آثر الراحة: فاتته الراحة, وأن بحسب ركوب الأهوال, واحتمال المشاق: تكون الفرحة, واللذة, فلا فرحة لمن لا هم له, ولا لذة لمن لا صبر له, ولا نعيم لمن لا شقاء له, ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلًا: استراح طويلًا, وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة: قاده لحياة الأبد, وكل ما فيه أهل النعيم المقيم: فهو صبر ساعة, والله المستعان, ولا قوة إلا بالله .
وكلما كانت النفوس: أشرف, والهمة: أعلى: كان تعب البدن: أوفر, وحظه من الراحة: أقل كما قال المتنبي:
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
وقال ابن الرومي (1) :
قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب ] (2) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_:[ فإن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها, فكل ما أمر الله به ورسوله: فمصلحته راجحة على مفسدته, ومنفعته راجحة على المضرة وإن كرهته النفوس كما قال تعالى:
{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم } الآية, فأمر بالجهاد وهو مكروه للنفوس لكن مصلحته ومنفعته: راجحة على ما يحصل للنفوس من ألمه بمنزلة من يشرب الدواء الكريه لتحصل له العافية, فإن مصلحة حصول العافية له: راجحة على ألم شرب الدواء ] (3) .
(1) البيت المساق لا يُعرف لابن الرومي, وإنما يعرف من شعر البحتري كما في"ديوانه1/172", والله أعلم .
(2) "مفتاح دار السعادة2/14".
(3) "الفتاوى24/278: 279".