إمّا لأن بعض أنواعه مضرة خالصة لا منفعة فيها بوجه, فما كل السحر يحصل غرض الساحر بل يتعلم مائة باب منه حتى يحصل غرضه باب, والباقي مضرة خالصة, وقس على هذا, فهذا من القسم الخالص المفسدة .
وإما لأن المنفعة الحاصلة للساحر لما كانت مغمورة مستهلكة في جنب المفسدة العظيمة فيه: جعلت كلا منفعته, فيكون من القسم الراجح المفسدة .
وعلى القولين؛ فكل مأمور به: فهو راجح المصلحة على تركه وإن كان مكروهًا للنفوس, قال تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } :
فبين أن الجهاد الذي أمروا به وإن كان مكروهًا للنفوس, شاقًا عليها: فمصلحته راجحة, وهو خير لهم, وأحمد عاقبة, وأعظم فائدة من التقاعد عنه, وإيثار البقاء, والراحة, فالشر الذي فيه: مغمور بالنسبة إلى ما تضمنه من الخير .
وهكذا: كل منهي عنه؛ فهو راجح المفسدة وإن كان محبوبًا للنفوس, موافقًا للهوى؛ فمضرته, ومفسدته: أعظم ممّا فيه من المنفعة, وتلك المنفعة, واللذة: مغمورة, مستهلكة في جنب مضرته كما قال تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما } , وقال: { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } .
وفصل الخطاب في المسألة: إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة: فلا ريب في وجودها .