قالوا: وكذلك الشر المنهي عنه إنما يفعله الإنسان لأن له فيه غرضًا, ووطرًا ما, وهذه مصلحة عاجلة له, فإذا نهى عنه, وتركه: فاتت عليه مصلحته, ولذته العاجلة وإن كانت مفسدته أعظم من مصلحته بل مصلحته مغمورة جدًا في جنب مفسدته كما قال تعالى في الخمر والميسر: { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } , فالربا, والظلم, والفواحش, والسحر, وشرب الخمر وإن كانت شرورًا, ومفاسد, ففيها منفعة, ولذة لفاعلها, ولذلك: يؤثرها, ويختارها وإلا فلو تجردت مفسدتها من كل وجه: لما أثرها العاقل, ولا فعلها أصلًا .
ولما كانت خاصة العقل النظر إلى العواقب, والغايات: كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة وإن كانت فيه لذة ما ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته.
ونازعهم آخرون, وقالوا: القسمة تقتضي إمكان هذين القسمين, والوجود يدل على وقوعهما, فإن معرفة الله, ومحبته, والإيمان به: خير محض من كل وجه لا مفسدة فيها بوجه ما, قالوا: ومعلوم أن الجنة: خير محض لا شر فيها أصلًا, وإن النار: شر محض لا خير فيه أصلًا, وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة: فما المخل بوجودهما في الدنيا ؟, قالوا: أيضًا, فالمخلوقات كلها منها ما هو خير محض لا شر فيه أصلًا كالأنبياء, والملائكة, ومنها هو شر محض لا خير فيه أصلًا كإبليس, والشياطين, ومنها ما هو خير وشر, وأحدهما غالب على الآخر, فمن الناس من يغلب خيره على شره, ومنهم من يغلب شره على خيره؛ فهكذا الأعمال: منها ما هو خالص المصلحة وراجحها, وخالص المفسدة وراجحها هذا في الأعمال كما أن ذلك في العمال, قالوا: وقد قال تعالى في السحرة: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } : فهذا دليل على أنه مضرة خالصة لا منفعة فيها: