قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:[يقول تعالى مسليًا الرسول صلى الله عليه وسلم: وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك, ويحاربونك, ويحسدونك: فهذه سنتنا أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق: أعداء من شياطين الإنس, والجن يقومون بضدّ ما جاءت به الرسل, {يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} , أي: يُزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل, ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة ليغترّ به السفهاء, وينقاد له الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق, ولا يفقهون المعاني بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة, والعبارات المموهة, فيعتقدون الحق باطلًا, والباطل حقًا, ولهذا قال تعالى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} , أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف: {أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر, وعدم عقولهم النافعة: يحملهم على ذلك, {وَلِيَرْضَوْهُ} بعد أن يصغوا إليه؛ فيصغون إليه أولًا, فإذا مالوا إليه, ورأوا تلك العبارات المستحسنة: رضوه, وزين في قلوبهم, وصار عقيدة راسخة, وصفة لازمة ثم ينتج من ذلك: أن يقترفوا من الأعمال, والأقوال {ما هم مقترفون} , أي: يأتون من الكذب بالقول, والفعل ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة, فهذه حال المفترين, شياطين الإنس والجن, والمستجيبين لدعوتهم.
وأما أهل الإيمان بالآخرة, وأولو العقول الوافية, والألباب الرزينة: فإنهم لا يغترون بتلك العبارات, ولا تخلبهم تلك التمويهات بل همّتهم: مصروفة إلى معرفة الحقائق, فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة, فإن كانت حقًا: قبلوها, وانقادوا لها, ولو كسيت عبارات رديئة, وألفاظا غير وافية.
وإن كانت باطلًا: ردوها على من قالها_ كائنًا من كان_, ولو ألبست من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير] (1) .
(1) "تفسير السعدي/173".