قيل له: إذا خيف معرة العدو, وإقدامهم على المسلمين، ولم يكن بإزائه من يدفعه: فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد، فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد: أفضل من تعلم العلم لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال، ولأن تعلم العلم: فرض على الكفاية لا على كل أحد في خاصة نفسه، ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه من المسلمين: فقد تعين فرض الجهاد على كل واحد.
وما كان فرضا معينًا على الإنسان غير موسع عليه في التأخير: فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره، وسقط عنه بعينه، وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها: هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال، فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى: فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية] (1) .
والصلاة: هي أعظم أعمال أهل الإسلام على الإطلاق لا يسبقها شيء, ولا يُقدّم عليها شيء, وهي من الدين: عموده المتين, والفرقان بين أهله, وغيرهم, ورغم ذلك كله: فقد قدّم الشارع عليها الجهاد من بعض الوجوه لا مطلقًا.
ـ أما تقديم الانشغال بالجهاد على أداء الصلاة في وقتها:
* فعن علي_ رضي الله عنه_ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق:"ملأ الله عليهم بيوتهم, وقبورهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (2) .
* وفي رواية: قال علي_ رضي الله عنه_:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب وهو قاعد على فرضة من فرض الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم, وبيوتهم_أو قال: قبورهم, وبطونهم_ نارًا" (3) .
(1) "أحكام القرآن للجصاص 3/ 119".
(2) "البخاري 3/ 1071, 4/ 1509".
(3) "مسلم 1/ 437".