فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 2063

ولقد سُجن أزمانًا وأعصارًا, وسنين وشهورًا ولم يولهم دبره فرارًا, ولقد قصد أعداؤه الفتك به مرارًا, وأوسعوا حيلهم عليه إعلانًا, وإسرارًا, فجعل الله حفظه منهم له شعارًا, ودثارًا, ولقد ظنوا أن في حبسه مشينة: فجعله الله له فضيلة وزينة, وظهر له يوم موته ما لو رآه واده: أقر به عينيه, فإن الله تعالى لعلمه بقرب أجله ألبسه الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق: أجمل حلله كونه حبس على غير جريرة, ولا جريمة بل على قوة في الحق, وعزيمة] (1) .

ـ(وعلى الجملة: ينبغي لكل عالم إذا أُذِلَّ الحقُ, وأُخْمِلَ الصواب أن يبذل جهده في نصرهما, وأن يجعل نفسه بالذل والخمول: أولى منهما, وإن عز الحق, فظهر الصواب: أن يستظل بظلهما, وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:

قليل منك ينفعني ولكن …… قليلك لا يقال له قليل

والمخاطرة بالنفوس: مشروعة في إعزاز الدين, ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمر في صفوف المشركين, وكذلك المخاطرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونصرة قواعد الدين بالحجج والبراهين: مشروعة, فمن خشي على نفسه: سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب, ومن قال بأن التغرير بالنفوس لا يجوز: فقد بعد عن الحق, ونأى عن الصواب.

وعلى الجملة, فمن آثر الله على نفسه: آثره الله, ومن طلب رضا الله بما يسخط الناس: رضى الله عنه, وأرضى عنه الناس, ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله: سخط الله عليه, وأسخط عليه الناس, وفي رضا الله كفاية عن رضا كل أحد) (2) .

المطلب الثالث

الوضوح والبيان

(1) "الأعلام العلية/76: 77".

(2) "طبقات الشافعية الكبرى 8/ 228".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت