وكون الوضوح, والبيان في الخطاب الدعوي من مقومات البلاغ المبين: أمر بدهي, ظاهر بل هو أول ما يتبادر للذهن من وصف البلاغ المأمور به بأنه:"بلاغ مبين", فالحقائق, والمعاني مهما كانت عظيمة فإنها تفقد جدواها إذا صيغت بلغة يَعجز المخاطَبُ بها عن فهمها ممّا قد يُوقعه في اللبس والحيرة بل قد تكون النتيجة على العكس تمامًا ممّا يريد المتكلم من كلامه .
ومصطلح { المبين } مشتمل على الإبانة والبيان, فهو بلاغ: ظاهر, واضح الدلالة: لا لبس فيه, ولا خفاء مع التعبير, والإفصاح عن حقائق الدعوة, ومفاهيمها بما يترك المدعو على مثل البيضاء: ليلها, ونهارها سواء .
قال ابن جرير الطبري_ رحمه الله_: [ { المبين } : الذي يبين لمن سمعه حتى يفهمه ] (1) .
وقال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } ، أي: تبليغكم البين الذي لا يبقي لأحد: شكًا, ولا شبهة، وقد فعل صلى الله عليه وسلم: بلغ البلاغ المبين ] (2) .
ـ فأهل الطائفة المنصورة في دعوتهم الخلق للحق لا يخاطبونهم بألغاز, وأحاجي أو بلغة مجملة, مضطربة هروبًا من التصريح بما يجب التصريح به كما لا يخاطبونهم بتكلف, وتقعر مذموم أو بمصطلحات مولّدة, غريبة قد تحمل من الباطل أكثر ممّا تحمله من حق فضلًا عمّا فيها من هجر للمصطلحات الشرعية, وهم في ذلك كله: ينطلقون من القرآن الكريم, ذلك الكتاب المعجز, فخطابهم الدعوي: خطاب قرآني, قرآني في لغته كما أنه قرآني في مضمونه .
* قال تعالى: { يآيها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا } [ الأحزاب: 70_ 71 ] .
(1) "تفسير الطبري14/157".
(2) "تفسير السعدي/411".