ـ وقد يجوز للمُنْكِرِ البدءُ بالإنكار باليد مباشرة بالضرب, ونحوه وإن أفضى إلى القتل إن عُلِمَ أن مرتكب المنكر لا ينتهي عنه بمجرد القول كما ذكره الجصاص فيمن قَصَدَ رجلًا بالقتل او قَصَدَ امرأةً بالزنى ونحو ذلك:[وعَلِمَ أنَّه لا ينتهي إن أنْكَرَه بالقول أو قاتله بما دون السلاح: فعليه أن يقتله لقوله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا, فليغيره بيده", فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضًا عليه.
وإن غلَبَ في ظَنِّه أنَّه إن أنكرَه بالدَّفعِ بيدِه أو بالقولِ: امتنع عليه ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه ولم يمكنه إزالةُ هذا المنكر إلاَّ بأن يُقْدِمَ عليه بالقتلِ من غير إنذارٍ منه له: فعليه أن يقتلَه ...
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا: فليغيره بيده ...": يُوجِبُ ذلك_ أيضًا_ لأنَّه قد أمر بتغييرِه على أيِّ وجهٍ أمكن ذلك، فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل: فعليه قتله حتى يزيله ... ] (1) .
فأهل الطائفة المنصورة وهم يقومون بأداء واجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسعون من وراء ذلك إلى تحقيق أعظم المصالح, ودرء أعظم المفاسد, ومن ثم: كانت الموازنة عندهم بين المصالح والمفاسد: أساسًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح الخلق, ونيل رضا الرب, والوقوف عند حدوده مع كون النظر في اعتبار المصالح والمفاسد عند أهل الطائفة المنصورة إنما هو من خلال الشرع لا من خلال الأهواء, والآراء, والاستحسانات العقلية المجردة.
(فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته: لم يكن ممّا أمر الله به وإن كان قد تُرك واجب وفُعِلَ محرم إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله وليس عليه هداهم) (2) .
(1) "أحكام القرآن 2/ 317: 318".
(2) "الفتاوى لابن تيمية 28/ 126".