ـ وفي ختام هذه المسألة: نذكر قولَ مطرف بن الشخير_ رحمه الله_:"لئن لم يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه مائة ألف سيف أرمي إليه كلمة, فيقتلني: إن ديني إذًا لضيق" (1) .
ــ المسألة الرابعة:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود عند الطائفة المنصورة.
إقامة الحدود عند أهل الطائفة المنصورة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ إقامة الحدود: أمرٌ بالمعروف, ونهيٌ عن المنكر على وجه خاص, وهو العقوبات الشرعية بل (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات، وفعل المحرمات، فمنها: عقوبات مقدرة مثل جلد المفتري ثمانين، وقطع السارق، ومنها: عقوبات غير مقدرة قد تسمى"التعزير", وتختلف مقاديرها, وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته) (2) .
ـ وقد مر معنا من قبل أن إقامة الحدود من فروض الكفايات المُخاطبة بها الأمة في مجموعها, وأنها وإن كانت ابتداءً لإمام المسلمين: إلا أن تقصير الإمام في القيام بها أو تضييعه لها: لا يعفي الأمة من واجبها, ولا يرفع عنها الحرج في القيام بها, ومن ثم: وجب على الأمة أن تقدم من يقوم بهذا الفرض بصورة تتحقق معها الكفاية, ويأثم كل قادر على التقصير والتخاذل في ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ، وقال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} , وقوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} , وكذلك قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا} .
(1) "التمهيد لابن عبد البر 23/ 283".
(2) "الفتاوى لابن تيمية 28/ 107".