ـ وفي الحديث: فائدة هامة: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قالوا ما قالوا: لم يأمرهم بالعودة, وترك القتال معه, وإنما اكتفى بالإنكار عليهم, وبيان عظم ما قالوا مع تعليمهم, وإرشادهم لحكم الشرع هنا إذ كانوا جهالًا كما أنه_ في الوقت نفسه_ لم يترك الإنكار عليهم, وبيان عظم ما قالوا, وتعليمهم وإرشادهم لحكم الشرع هنا بحجة الانشغال بالغزو والجهاد, وعدم تنفير الناس عنه! , فتنبه!.
وقد سبق معنا قول الجصاص_ رحمه الله_:[فإن قيل: تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين؟.
قيل له: إذا خيف معرة العدو, وإقدامهم على المسلمين، ولم يكن بإزائه من يدفعه: فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد، فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد: أفضل من تعلم العلم لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال، ولأن تعلم العلم: فرض على الكفاية لا على كل أحد في خاصة نفسه، ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه من المسلمين: فقد تعين فرض الجهاد على كل واحد.
وما كان فرضا معينًا على الإنسان غير موسع عليه في التأخير: فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره، وسقط عنه بعينه، وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها: هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال، فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى: فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية] (1) .
ـ وبعد, فإن في سِير جهاد أئمة الطائفة المنصورة الأوائل: أظهر برهان, وأقوى حجة وبيان على فساد هذا القول وبطلانه.
ــ لطيفة:
ظاهر قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
(1) "أحكام القرآن للجصاص 3/ 119".