أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر: كعقد الجُمَع, وجر العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر ...
إلى أن قال:
وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به: فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عمّا يقدرون عليه من دفع الفساد, فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن: عم الفساد البلاد والعباد إلى قوله_ رحمه الله_:
وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة, وسكان كل قرية: أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك: ترددوا عند إلمام المهمات, وتبلدوا عند إظلال الواقعات] (1) .
الفصل الخامس
القتال والقدرة عند الطائفة المنصورة
ــ أساس المطالبة بالتكاليف الشرعية عند أهل الطائفة المنصورة: القدرة والاستطاعة_ بعد توفر العلم_, ومن ثم: فلا مطالبة عند تخلف القدرة, والاستطاعة عن القيام بالمطلوب, هذه قاعدة الشريعة بلا خلاف.
* قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} .
* وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها} .
* وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} .
* وقال صلى الله عليه وسلم:"ما أمرتكم به: فأتوا منه ما استطعتم ..."الحديث (2) .
قال الشاطبى_ رحمه الله_: [ثبت في الأصول أن شرط التكليف: القدرة على المكلّف به، فما لا قدرة للمكلف عليه: لا يصح التكليف به شرعًا، والدليل على ذلك من أمور:
أحدها: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} .
وقوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا} الآية، وفي الحديث:"قال الله تعالى: قد فعلت" (3) .
(1) "الغياثي/385: 391".
(2) "البخاري 6/ 2658","مسلم 2/ 975".
(3) "مسلم 1/ 116".