ـ ومن نظر إلى الله في كل شيء, ورجع إلى الله في كل شيء, واستعان به في كل حال: فهو لا شك من الثابتين ثبات الجبال على أمر الله.
(فمن حقق اليقين: وثق بالله في أموره كلها, ورضي بتدبيره له, وانقطع عن التعلق بالمخلوقين_ رجاءً, وخوفًا_, ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة) (1) .
ومن كان كذلك: فهو الثابت على أمر الله, الذي لا يفتنه عنه رغبة أو رهبة.
ــ وبالجملة:(فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر, ونفع وضر, وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد ألبتة: علم حينئذ أن الله وحده: هو الضار النافع, المعطي المانع: فأوجب ذلك للعبد: توحيدَ ربه عز وجل, وإفراده بالطاعة, وحفظ حدوده, فإن المعبود: إنما يقصد بعبادته جلب المنافع, ودفع المضار, ولهذا ذمّ الله من يعبد من لا ينفع, ولا يضر, ولا يغني عن عابده شيئًا.
فمن يعلم أنه لا ينفع, ولا يضر, ولا يعطي, ولا يمنع غير الله: أوجب له ذلك: إفراده بالخوف, والرجاء, والمحبة, والسؤال, والتضرع, والدعاء, وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا, وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا) (2) .
وتوحيد الله عزوجل, وإفراده بالطاعة, وحفظ حدوده, وإفراده وحده: بالخوف, والرجاء, والمحبة, والسؤال, والتضرع, والدعاء, وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا, وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا: هو عين الثبات على أمر الله.
يتبين لنا من الاستعراض السابق لليقين بأنواعه الثلاثة, وأثرها في الثبات على أمر الله: أن الثبات مقرون باليقين, وأن اليقين_ في خبر الله, وحكمه_: أساس الثبات, وأصله الذي ينبني عليه, ولذا: فهو أهم ركني الثبات, وقد صح عن ابن مسعود_ رضي الله عنه_ قوله:"اليقين: الإيمان كله, والصبر: نصف الإيمان" (3) .
(1) "جامع العلوم والحكم/290".
(2) "جامع العلوم والحكم/193: 194".
(3) "البخاري1/ 11".