وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه: فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا, وقوةً, ويقينًا, وطمأنينةً.
فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل: فآتاهم من روحها, ونسيمها, وطيبها: ما استفرغ قواهم لطلبها, والمسابقة إليها] (1) .
ــ وبعد, فبما سبق تقريره عن اليقين بأمر الله الكوني الذي ينزل بالعبد, وما يتبعه, ويثمره عند أهل الطائفة المنصورة: يَظهر بجلاء أن هذا اليقين من أقوى عوامل الثبات على أمر الله حيث يجعل العبد يمضي فيما يحبه الله, ويرضاه بأقدام ثابتة, وخطى راسخة_ قد وحّد الهم, وأفرد الوجهة, وجَرّد الولاء, ولزم الجادة, وجانب البنيّات_ غير هيّاب, ولا وجل إذ قد استقر في قلبه, وترسخ أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له, ومن ثم: لا يثنيه عن طريقه: تهديد أو وعيد.
* قال ابن مسعود_ رضي الله عنه_:"اليقين: أن لا ترضي الناس بسخط الله, ولا تحسد أحدًا على رزق الله, ولا تلم أحدًا على ما لم يؤتك الله, فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص, ولا يرده كراهية كاره."
فإن الله تعالى بقسطه, وعلمه, وحكمته جعل الروح, والفرح في اليقين والرضا, وجعل الهم, والحزن في السخط والشك" (2) ."
* وعن الحسن_ رحمه الله_:"يا ابن آدم, إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل" (3) .
* وقد قال ذو النون:"ثلاثة من أعلام اليقين: النظر إلى الله في كل شيء, والرجوع إليه في كل شيء, والاستعانة به في كل حال" (4) .
(1) "الوابل الصيب/70".
(2) "جامع العلوم والحكم/290","الزهد الكبير1/ 304","اليقين لابن أبي الدنيا/62".
(3) "اليقين لابن أبي الدنيا/63".
(4) "الزهد الكبير للبيهقي2/ 351, 358","السنن الصغرى للبيهقي1/ 26".