وهذا_ يا عباد الله_ في منع الزكاة لا غير!.
يتحصّل لنا من مجموع المحاور السابقة: أن هذا القول_ ترك الجهاد لدفع الفتنة_, وشِبْهه ممّا يُمثل بمجموعه التقعيد النظري للقعود العملي الذي تَرزخ فيه الطوائف المناوئة, والمخالفة للطائفة المنصورة وممّا يُكوّن فقه الذل, والصغار, والاستسلام للواقع: يمثل قراءة فاسدة للسبب المشروع, وما قد يلحقه من مفاسد كما أنه يمثل_ كذلك_ قراءة فاسدة لـ"المصلحة"التي يجب تحصيلها, و"المفسدة"التي يجب تعطيلها.
قال الشاطبي_ رحمه الله_: [فالذى يجب أن يعلم: أن هذه المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة, والمصالح الناشئة عن الأسباب الممنوعة: ليست بناشئة عنها في الحقيقة, وإنما هى ناشئة عن أسباب أخر مناسبة لها والدليل على ذلك ظاهر, فإنها إذا كانت مشروعة:
فإمّا أن تشرع للمصالح أو للمفاسد أو لهما معًا أو لغير شئ من ذلك: فلا يصح أن تشرع للمفاسد لأن السمع يأبى ذلك فقد ثبت الدليل الشرعى على أن الشريعة إنما جئ بالأوامر فيها جلبًا للمصالح, وإن كان ذلك غير واجب في العقول: فقد ثبت في السمع.
وكذلك: لا يصح أن تشرع لهما معًا بعين ذلك الدليل, ولا لغير شئ لما ثبت من السمع أيضًا؛ فظهر أنها شرعت للمصالح.
وهذا المعنى يستمر فيما منع؛ إمّا أن يمنع لأن فعله مؤد إلى مفسدة أو إلى مصلحة أو إليهما أو لغير شئ, والدليل جار إلى آخره.
فإذًا: لا سبب مشروعًا إلا وفيه مصلحة لأجلها شرع, فإن رأيته وقد انبنى عليه مفسدة: فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب المشروع.
وأيضًا: فلا سبب ممنوعًا إلا وفيه مفسدة لأجلها منع, فإن رأيته وقد انبنى عليه مصلحة فيما يظهر: فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب الممنوع.
وإنما ينشأ عن كل واحد منها: ما وضع له في الشرع إن كان مشروعًا, وما منع لأجله إن كان ممنوعًا.