وصاحب التعبد المطلق: ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره بل غرضُه: تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت, فمدار تعبده عليها, فهو لا يزال متنقلًا في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة: عمل على السير إليها, واشتغل بها حتى تلوح له منزلة اخرى, فهذا دأبه في سيره حتى ينتهي سيره, فإن رأيت العلماء: رأيته معهم, وإن رأيت العباد: رأيته معهم, وإن رأيت المجاهدين: رأيته معهم, وإن رأيت الذاكرين: رأيته معهم, وإن رأيت: أرباب الجمعية, وعكوف القلب: رأيته معهم.
فهذا هو العبد المطلق الذي لم تقيده الرسوم, ولم تقيده القيود, ولم يكن عمله على مراد نفسه, وما فيه لذاتها, وراحتها من العبادات بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه, ولذاتتها في سواه, فهذا هو المتحقق بـ"إياك نعبد وإياك نستعين"حقًا, المُتلبس بها صدقًا] (1) .
المطلب السابع
مطابقة العمل للقول
وهذا الأساس من أسس الدعوة عند أهل الطائفة المنصورة: هو دليل صدق الدعوة, ودليل صدق أصحابها, وعلامة يقينهم فيما يدعون الناس إليه بل هو ذاته: دعوة أبلغ من دعوة"القول"إذ قد فطر اللهُ النفوسَ على أن تستجيب للسان الحال أعظم من استجابتها للسان المقال.
ولذا, فكلما اتسعت مسافة الخلف بين"القول"و"العمل": كلما قلّ تأثير"القول"في المدعوّين, فكان عيّ الفعال كعيّ المقال بل أشد.
ــ وقد نهى الله تعالى أشدّ نهي, وأصرحه عن مخالفة العمل للقول:
* قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] .
(1) "مدارج السالكين 1/ 88: 90".