قال القرطبي_ رحمه الله_:[ هذا استفهام معناه التوبيخ, والمراد في قول أهل التأويل: علماء اليهود, قال ابن عباس: كان زفر المدينة يقول الرجل منهم لصهره, ولذي قرابته, ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الذي أنت عليه, وما يأمرك به هذا الرجل_ يريدون محمدًا صلى الله عليه وسلم_ فإن أمره حق, فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه .
وعن ابن عباس_ أيضًا_ كان الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن جريج: كان الأحبار يحضون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي, وقالت فرقة: كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون, والمعنى: متقارب ] (1) .
ـ ( وهذه الآية, وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل: فهي عامة لكل أحد ) (2) .
قال ابن جرير الطبري_ رحمه الله_: [ فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذًا: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه, فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم: معيّرهم بذلك, ومقبحًا إليهم ما أتوا به ] (3) .
فتضمنت الآية: ( الوعيد على مخالفة القول العمل ) (4) .
* وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }
[ الصف: 2_3 ] .
وهذا استفهام على جهة الإنكار, والتوبيخ لمن كانت هذه صفته .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ أي: لم تقولون الخير, وتحثون عليه, وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه, وتنهون عن الشر, وربما نزهتم أنفسكم عنه وأنتم متلوثون, متصفون به .
فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل ؟ .
(1) "تفسير القرطبي1/365".
(2) "تفسير السعدي/14".
(3) "تفسير الطبري1/259".
(4) "تفسير الجلالين/11".