وهو أعلى مشاهد الابتلاء, وأسناها, وأرفعها قدرًا, ومرتبة, وفيه يشهد أهل الطائفة المنصورة في الابتلاء: فرصة عظيمة لتقديم برهان المحبة الصادق, والسعي لإرضاء المحبوب للفوز, والظفر بأعظم مطلوب: رضاه, ومحبته: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} , {يحبهم ويحبونه} .
وهذا المشهد: تَهون به كلُّ التضحيات بل تُستعذب معه الآلآم, ويُستلذ بها: تحننًا, وتحببًا إلى ذي الجلال والإكرام, فلسان الحال, والمقال:
رضيتُ في حبك الأيام جائرة فعلقم الدهر إن أرضاك كالضرب
ـ وأهل الطائفة المنصورة يعلمون أن طريق نيل ذلك:(هو بذل الجهد, واستفراغ الوسع, فلا ينال بالمني, ولن يُدرك بالهوينا, وإنما هو كما قيل:
فخض غمرات الموت واسم إلى العلا لكي تدرك العز الرفيع الدائم
فلا خير في نفس تخاف من الردى ولا همّة تصبو إلى لوم لائم
ولا سبيل إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين:
أحدهما: أن لا يصبو في الحق إلى لوم لائم, فإن اللوم يصيب الفارس: فيصرعه عن فرسه, ويجعله صريعًا في الأرض.
والثاني: أن تهون عليه نفسُه في الله: فيُقدم حينئذ, ولا يخاف الأهوال, فمتى خافت النفس: تأخرت, وأحجمت, وأخلدت إلى الأرض.
ولا يتم له هذان الأمران إلا بالصبر, فمن صبر قليلًا: صارت تلك الأهوال ريحًا رخاءً في حقه تحمله بنفسها إلى مطلوبه, فبينما هو يخاف منها: إذ صارت أعظم أعوانه, وخدمه) (1) .
ـ (مشهد الفرج أو مشهد الفجر) :
حيث يشهد أهل الطائفة المنصورة في الابتلاء نفسه, ومن خلال دخان نار أتونه المتصاعد: الفرجَ القريب, والفجرَ الوليد, فليلُ المحنة وإن طال: فبزوغُ الفجر: قدرٌ نافذٌ لا مردّ له, وكلُّ ما هو آتٍ: قريب.
فأهل الطائف المنصورة لا يرون المحنة واقعًا أبديًا سرمديًا لا يزول, ولا يحول بل على العكس من ذلك تمامًا يرونها: أمرًا طارئًا, مؤقتًا: سحابة صيف عن قليل تقشع: فيجزمون بانجلائها بل لا يقولون: لعلها.
(1) "زاد المهاجر لابن القيم/60: 61".