فنأوا بأنفسهم عن مواطن الفتن، وكبحوها عن مواقف التهم، وأطروها على قول الحق والعمل به، وألزموها الصبر على ذلك كله وإن تلفت في ذلك أو فاتت: صونًا للعلم، وحفظًا للوديعة، وأداءً للأمانة، لسان حال أحدهم:
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما كل برق لاح لى يستفزنى ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
وإنى إذا ما فاتنى الأمر لم أبت أقلب كفى إثره متندما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لى سلما
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما (1)
ـ وهؤلاء وحدهم هم من عََناهم الإمام الحسن البصري_ رحمه الله_ بقوله:"كانوا يقولون: موت العالم: ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ما اختلف الليل والنهار" (2) .
* قال الإمام الشافعي_ رحمه الله_:"إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله: فما لله ولي" (3) .
ـ وأخيرًا, فليُعلم: أنّ (العلم: جوهرٌ شفاف, نوري, يُكدّره أدنى مكدر, ويذهب برونقه أيسرُ شيء وما ذاك إلا لشرفه) (4) .
الفصل الرابع
مراتب أفراد الطائفة المنصورة في العلم
أشرنا من قبل إلى أن أهل الطائفة المنصورة متفاوتون فيما بينهم بحسب نصيب كل منهم من صفات هذه الطائفة, ومن تلك الصفات التي هم متفاوتون فيها: العلم, فأهل الطائفة المنصورة هنا على مراتب.
ــ ونقدم لهذه المسألة الهامة بمقدمتين:
(1) "طبقات الشافعية الكبرى 3/ 460: 461"، وانظر"المنتظم 7/ 221"،"طبقات الفقهاء 1/ 129: 130"،"شذرات الذهب 2/ 56: 57"،"سير أعلام النبلاء 17/ 20"،"البداية والنهاية 11/ 331".
(2) "سنن الدارمي 1/ 106","الزهد للإمام أحمد/262", ويروى مرفوعًا, انظر:"مجمع الزوائد 1/ 201","كشف الخفاء 1/ 105".
(3) "سير أعلام النبلاء 10/ 53","المدخل للبيهقي/174".
(4) "أبجد العلوم للقنوجي 1/ 147".