ـ وقد قيل: (إن من غفلتِكَ عن نفسك، وإعراضِك عن الله: أن ترى ما يسخطُ اللهَ: فتتجاوزه، ولا تأمرَ فيه, ولا تنهى عنه خوفًا ممن لا يملك لنفسه: ضرًا, ولا نفعًا) (1) .
ــ ومن علم أنه لا يقبل منه إنكاره للمنكر: فالصحيح أن وجوب الإنكار في حقه لا يسقط بل عليه أن ينكر المنكر وإن تيقن عدم القبول منه إذ هو مطالب بالعمل لا بالنتيجة, ولو كان ذلك شرطًا في وجوب الإنكار لانسد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأغلب الأعم من الأحوال.
قال ابن رجب_ رحمه الله_: [حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه، وصحّح القول بوجوبه، وهو قول أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرة] (2) .
قلت: ويدل عليه قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ {مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ} , أي: لنُعذر فيهم, {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} , أي: يتركون ما هم فيه من المعصية, فلا نيأس من هدايتهم, فربما نجح فيهم الوعظ, وأثر فيهم اللوم, وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة, وإقامة حجة على المأمور المنهي, ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر, والنهي] (3) .
ـ ولقد كان الرسل يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع غلبة الظن بعدم القبول منهم, ولم يكن ذلك مانعهم من الاستمرار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
(1) "الجواب الكافي لابن القيم/96".
(2) "جامع العلوم والحكم/323".
(3) "تفسير السعدي/204".