وبيان ذلك: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلًا لم يقصد به الشارع إتلاف نفس, ولا مال, وإنما هو أمر يتبع السبب المشروع لرفع الحق, وإخماد الباطل كالجهاد ليس مقصوده إتلاف النفوس بل إعلاء الكلمة لكن يتبعه في الطريق الإتلاف من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين, وشهر السلاح, وتناول القتال ] (1) .
وقال الإمام ابن القيم_ رحمه الله_:
[ أما المقام الأول: فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة, وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة, وإما أن تستوي مصلحتها, ومفسدتها .
فهذه: أقسام خمسة؛ منها أربعة: تأت بها الشرائع, فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرةٌ به, مقتضيةٌ له, وما مفسدته خالصة أو راجحة: فحكمها فيه النهي عنه, وطلب إعدامه .
فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحه أو تكميلهما بحسب الإمكان, وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان .
فمدار الشرائع, والديانات على هذه الأقسام الأربعة, وتنازع الناس هنا في مسألتين:
المسألة الأولى: في وجود المصلحة الخالصة, والمفسدة الخالصة:
فمنهم من منعه, وقال: لا وجود له, قال: لأن المصلحة: هي النعيم, واللذة, وما يفضي إليه, والمفسدة: هي العذاب, والألم, وما يفضي إليه, قالوا: والمأمور به لا بد أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم, وإن كان فيه: لذة سرور وفرح, فلا بد من وقوع أذى لكن لما كان هذا مغمورًا بالمصلحة: لم يلتفت إليه, ولم تعطل المصلحة لأجله, فترك الخير الكثير الغالب لأجل الشر القليل المغلوب: شر كثير .
(1) "الموافقات1/238: 239".