وليس هناك أبلغ من هذا في الدلالة على ممارسة الإمام_ رحمه الله_ للعمل الجماعي، وأنه كان له جماعة, وأنصار للقيام بواجبات الدين من: إقامة الحدود، وإنكار المنكر باليد، وتعزير أصحابه: لا يصرفه عن ذلك: لوم لائم، ولا حسد حاسد بل كان_ رحمه الله_ قائمًا هو, ومن معه من أصحابه بما يستطيعون من أمر الله لا يضرهم في ذلك من خالفهم, ولا من خذلهم .
ـ وقد كانت جماعة شيخ الإسلام هذه_ رأسًا, وأتباعًا_ تأخذ نصيبها من الابتلاء في سبيل الحق الذي تقوم به علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا:
قال ابن كثير_ رحمه الله_ في أحداث سنة 726 هـ:
[ وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان: أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ ابن تيمية في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم .
وعزّر جماعة منهم على دواب، ونودي عليهم ثم أطلقوا سوى شمس الدين بن محمد بن قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة ] (1) .
ـ وأما ابتلاء الرأس الإمام: فأشهر من أن نشير إليه, فهو_ رضي الله عنه, وأرضاه_ ( لم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة إلى أن فُوّض أمره لبعض القضاة, فتقلد ما تقلد من اعتقاله, ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى ) (2) .
وقد كتب شيخ الإسلام وهو في سجن الإسكندرية رسالة إلى"جماعته"هذه يقول فيها:
[ { وأما بنعمة ربك فحدث } والذي أُعَرِّفُ به الجماعة_ أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة, وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة_ فإني_ والله العظيم الذي لا إله إلا هو_ في نِعَمٍ من الله ما رأيت مثلها قط في عمري كله، وقد فتح الله سبحانه وتعالى أبواب فضله، ونعمته, وخزائن جوده، ورحمته ما لم يكن بالبال, ولا يدور في الخيال ... ] .
(1) "البداية14/123".
(2) "العقود الدرية في مناقب ابن تيمية/27".