والمراد: أن الحق عند الطائفة المنصورة: هو الأصل المحفوظ، الذي لا يبطله علو الباطل، وانتفاشه من زبالات آراء البشر، ونحاتة أفكارهم وأوهامهم، فالخطأ: لا يُبطل الصواب ويرفعه، والبدعة: لا تبطل السنة وترفعها كما أن الكفر لا يبطل الإيمان ويرفعه، وهيهات.
فمهما عظم الباطل، واشتدت وطأتُه على الحق وأهله: لا يتحول الخطأ: إلى صواب، ولا تتحول البدعة: إلى سنة كما لا يتحول الكفر إلى إيمان، فيظل الخطأ: خطأ، وتظل البدعة: بدعة كما يظل الكفر: كفرًا.
وبالمقابل: يظل الصواب، والسنة_ فضلًا عن الإيمان_: أصولًا محفوظة، راسخة كالشم الراسيات: مكانها؛ من ابتغاها: وجدها رغم أنف الباطل وأهله.
فيبقى الباطل: باطلًا، ويبقى الحق: حقًا.
* وممّا قيل للإمام أحمد أيام المحنة:"يا أبا عبد الله, أوَ لا ترى الحقَ كيف ظهر عليه الباطلُ؟!."
فقال الإمام الرباني: كلا, إن ظهور الباطل على الحق: أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة, وقلوبنا بعد: لازمة للحق" (1) ."
كذلك, فالباطل مهما علا وارتفع، وكان له صولة وجولة في دنيا الناس إلا أن هذا كله: أمرٌ مؤقت_ طال أمده أم قصر_: فما يلبث الباطل: أن يندثر ويفنى إذ الباطل لا جذور له، وما يلبث الحق: أن يعلو ويظهر إذ هو الأصل المحفوظ الضارب بجذوره في أعماق الأعماق.
فالباطل: نبتة شيطانية، غريبة عن الوجود، دخيلة عليه، أمّا الحق: فهو حقيقة الوجود، وأساسه، ومصدره، ولذا كان (الحق: هو قوام هذا الوجود، فإذا حاد عنه: فسد وهلك: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} ، ومن ثم: فلا بد للحق أن يظهر، ولا بد للباطل أن يزهق، ومهما تكن الظواهر غير هذا: فإن مصيرها إلى تكشف صريح: {بل نقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق} ) (2) .
(1) "سير أعلام النبلاء 11/ 238".
(2) "مقدمة الظلال/ 14".